السيد الطباطبائي
173
تفسير الميزان
المال إلى اليتيم واستقلاله بالتصرف في مال نفسه والرشد شرط لنفوذ التصرف وقد فصل الاسلام النظر في أمر البلوغ من الانسان فاكتفى في أمر العبادات وأمثال الحدود والديات بمجرد السن الشرعي الذي هو سن النكاح واشترط في نفوذ التصرفات المالية والأقارير ونحوها مما تفصيل بيانه في الفقه مع بلوغ النكاح الرشد وذلك من لطائف سلوكه في مرحلة التشريع فإن اهمال أمر الرشد وإلغاءه في التصرفات المالية ونحوها مما يختل به نظام الحياة الاجتماعية في قبيل الأيتام ويكون نفوذ تصرفاتهم وأقاريرهم مفضيا إلى غرور الافراد الفاسدة إياهم وإخراج جميع وسائل الحياة من أيديهم بأدنى وسيلة بالكلمات المزيفة والمواعيد الكاذبة والمعاملات الغررية إلى ذلك فالرشد لا محيص من اشتراطه في هذا النوع من الأمور وأما أمثال العبادات فعدم الحاجة فيها إلى الاشتراط ظاهر وكذا أمثال الحدود والديات فإن ادراك قبح هذه الجنايات والمعاصي وفهم وجوب الكف عنها لا يحتاج فيه إلى الرشد بل الانسان يقوى على تفهم ذلك قبله ولا يختلف حاله في ذلك قبل الرشد وبعده . قوله تعالى ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا اه الاسراف هو التعدي عن الاعتدال في العمل والبدار هو المبادرة إلى الشئ وقوله وبدارا أن يكبروا في معنى حذر أن يكبروا فلا يدعوكم أن تأكلوا وحذف النفي أو ما في معناه قبل أن وأن قياسي على ما ذكره النحاة قال تعالى يبين الله لكم أن تضلوا : النساء - 176 أي لئلا تضلوا أو حذر أن تضلوا . والتقابل الواقع بين الاكل إسرافا والاكل بدارا أن يكبروا يعطى أن الاكل إسرافا هو التعدي إلى أموالهم من غير حاجة ولا شائبة استحقاق بل إجحافا من غير مبالاة والاكل بدارا أن يأكل الولي منها مثل ما يعد اجرة لعمله فيها عادة غير أن اليتيم لو كبر أمكن أن يمنعه عن مثل هذا الاكل فالجميع ممنوع إلا أن يكون الولي فقيرا لا محيص له من أن يشتغل بالاكتساب لسد جوعه أو يعمل لليتيم ويسد حاجته الضرورية من ماله وهذا بالحقيقة يرجع إلى ما يأخذ العامل للتجارة والبناية ونحوهما وهو الذي ذكره بقوله من كان غنيا أي لا يحتاج في معاشه إلى الاخذ من مال اليتيم فليستعفف أي ليطلب طريق العفة وليلزمه فلا يأخذ من أموالهم ومن كان فقيرا فليأكل منها بالمعروف وذكر بعض المفسرين أن المعنى فليأكل بالمعروف من مال نفسه لا من